فصل: ما اختلف في ماليّته

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


الموسوعة الفقهية / الجزء السادس والثلاثون

مأتَم

التّعريف

1 - المأتم في اللغة‏:‏ مجتمع الرّجال والنّساء في الغمّ والفرح‏,‏ ثمّ خصّ به اجتماع النّساء للموت‏,‏ وقيل‏:‏ هو للشّوابّ من النّساء لا غير‏,‏ والعامّة تخصه بالمصيبة‏.‏

والمأتم عند الفقهاء هو‏:‏ اجتماع النّاس في الموت‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

التّعزية‏:‏

2 - التّعزية في اللغة‏:‏ مصدر عَزّى والثلاثي منه عَزِي أي‏:‏ صبر على ما نابه‏,‏ يقال‏:‏ عزّيته تعزيةً‏:‏ قلت له‏:‏ أحسن اللّه عزاءك‏,‏ أي رزقك الصّبر الحسن‏,‏ والعزاء اسم من ذلك‏,‏ ويقال تعزّى هو‏:‏ تصبّر‏,‏ وشعاره أن يقول‏:‏ إنّا للّه وإنّا إليه راجعون‏.‏

قال الأزهري‏:‏ أصلها التّعبير لمن أصيب بمن يعز عليه‏.‏

والتّعزية اصطلاحاً‏:‏ الأمر بالصّبر والحمل عليه بوعد الأجر والتّحذير من الوزر بالجزع‏,‏ والدعاء للميّت بالمغفرة‏,‏ وللمصاب بجبر المصيبة‏.‏

والتّعزية أخص من المأتم‏.‏

الحكم الإجمالي

3 - يرى الشّافعيّة والحنابلة وكثير من متأخّري الحنفيّة كراهة المأتم‏.‏

جاء في المجموع‏:‏ وأمّا الجلوس للتّعزية فنصّ الشّافعي وسائر الأصحاب على كراهته‏,‏ قالوا‏:‏ يعنى بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميّت في بيتٍ فيقصدهم من أراد التّعزية‏,‏ قالوا‏:‏ بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم‏,‏ فمن صادفهم عزّاهم‏,‏ ولا فرق بين الرّجال والنّساء في كراهة الجلوس لها‏,‏ قال الشّافعي في الأمّ‏:‏ وأكره المأتم وهي الجماعة‏,‏ وإن لم يكن لهم بكاء فإنّ ذلك يجدّد الحزن ويكلّف المؤنة‏.‏

وقال البهوتيّ‏:‏ ويكره الجلوس لها أي للتّعزية‏,‏ بأن يجلس المصاب في مكانٍ يعزوه‏,‏ أو يجلس المعزّي عند المصاب للتّعزية‏,‏ لما في ذلك من استدامة الحزن‏,‏ وقال نقلاً عن الفصول‏:‏ يكره الاجتماع بعد خروج الروح لتهييجه الحزن‏.‏

وقال ابن عابدين نقلاً عن الإمداد‏:‏ وقال كثير من متأخّري أئمّتنا‏:‏ يكره الاجتماع عند صاحب البيت‏,‏ ويكره له الجلوس في بيته حتّى يأتي إليه من يعزّي‏,‏ بل إذا فرغ ورجع النّاس من الدّفن فليتفرّقوا ويشتغل النّاس بأمورهم وصاحب البيت بأمره‏.‏

وعند المالكيّة وبعض الحنفيّة‏:‏ يجوز أن يجلس الرّجل للتّعزية كما فعل النّبي صلى الله عليه وسلم حين جاء خبر جعفرٍ‏,‏ وزيد بن حارثة‏,‏ وعبد اللّه بن رواحة‏,‏ ومن قتل معهم رضي الله عنهم بمؤتة‏,‏ وواسع كونها قبل الدّفن وبعده‏,‏ والأولى عند رجوع الوليّ إلى بيته‏,‏ وقال المالكيّة‏:‏ كره اجتماع نساءٍ لبكاء سرّاً‏,‏ ومنع جهراً كالقول القبيح مطلقاً‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيّامٍ‏,‏ وهو خلاف الأولى‏,‏ ويكره في المسجد‏,‏ وفي الأحكام عن خزانة الفتاوى‏:‏ الجلوس في المصيبة ثلاثة أيّامٍ للرّجال جاءت الرخصة فيه‏,‏ ولا تجلس النّساء قطعاً‏.‏

‏(‏ر‏:‏ تعزية ف 6‏)‏‏.‏

مأدبة

انظر‏:‏ وليمة‏.‏

مأذون

التّعريف

1 - المأذون في اللغة‏:‏ اسم مفعولٍ من أذن‏,‏ يقال‏:‏ أذن له في الشّيء‏:‏ أي أباحه له‏.‏ والاسم‏:‏ الإذن‏,‏ ويكون الأمر إذناً‏,‏ وكذا الإرادة نحو بإذن اللّه‏,‏ ويقال‏:‏ أذنت للصّغير في التّجارة‏,‏ فهو مأذون له‏.‏

والفقهاء يحذفون الصّلة تخفيفاً‏,‏ فيقولون‏:‏ العبد المأذون‏,‏ لفهم المعنى‏.‏

وتأتي أذن بمعنى‏:‏ علم‏,‏ على مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏‏.‏ وبمعنى استمع كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ‏}‏‏.‏

والمأذون اصطلاحاً‏:‏ هو الّذي فكّ الحجر عنه‏,‏ وأذن للتّجارة‏,‏ وأطلق له التّصرف من مولاه إنّ كان عبداً‏,‏ ومن وليّه إن كان صغيراً‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

المحجور‏:‏

2 - المحجور لغةً واصطلاحاً‏:‏ هو الممنوع من نفاذ التّصرف والصّلة بين المأذون والمحجور التّضاد‏.‏

حكم الإذن للمأذون

3 - الإذن بالتّصرف للمأذون جائز عند جمهور الفقهاء إذا قام مبرّر لذلك كالقاصر إذا قارب البلوغ فإنّه يؤذن له بالتّصرف‏.‏

والأصح عند الشّافعيّة أنّه لا يجوز الإذن له بالتّجارة‏,‏ وإنّما يتولّى وليه العقد‏.‏

شروط المأذون له

4 – للمأذون له شروط معيّنة منها‏:‏ التّمييز‏,‏ وإيناس الخبرة في التّجارة والتّصرفات الماليّة‏.‏

وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏صغر ف 39‏)‏‏.‏

تقيد الإذن بالزّمان والمكان ونوعيّة التّصرف

5 - الإذن للصّغير قد يكون عامّاً في كلّ أنواع التّجارة‏,‏ وقد يكون خاصّاً بأن يكون في نوعٍ من أنواع التّجارة‏,‏ لا يتعدّاه إلى غيره‏.‏

فالحنفيّة يرون أنّ الإذن إن كان عامّاً في جميع أنواع التّجارة‏,‏ أو لم يحدّد بوقت كان عامّاً في جميع الأنواع وتوابعها‏,‏ وما يترتّب عليها من رهنٍ وإعارةٍ‏.‏

وإن كان خاصّاً في نوعٍ من التّجارة‏,‏ أو حدّد الإذن بوقت - كشهر أو عدّة أشهرٍ - فإنّ الإذن عام في جميع أنواع التّجارات وتوابعها وضروراتها‏,‏ فينقلب الإذن الخاص عامّاً‏,‏ ولا يتحدّد بنوع من التّجارات‏,‏ ولا بوقت بل لو أذن له في نوعٍ‏,‏ ونهاه عن غيره‏,‏ لم يكن الصّغير ملزماً بهذا النّهي‏,‏ وكان له الحق أن يتصرّف فيما نهاه عنه الولي خلافاً لزفر‏.‏ ولـه أن يبيع وإن كان بغبن فاحشٍ عند الإمام أبي حنيفة‏,‏ ولم يجوّز الصّاحبان ذلك‏,‏ وجوّزاه في الغبن اليسير المحتمل عادةً‏.‏

ويرى المالكيّة أنّ الإذن موقوف على إجازة الوليّ‏,‏ وأنّ هذا الإذن لا يعدو أن يكون اختباراً وتمريناً للصّغير‏,‏ فللوليّ أن يدفع إلى الصّبيّ مقداراً محدوداً وقليلاً من المال‏,‏ وأن يأذن له أن يتصرّف بهذا المبلغ‏,‏ ولكن حتّى بعد هذا الإذن‏,‏ فلن يكون عقد الصّغير لازماً نافذاً‏,‏ بل هو موقوف على إجازة وليّه‏.‏

وأمّا الشّافعيّة فعندهم وجهان في وقت اختبار الصّبيّ‏,‏ أحدهما‏:‏ بعد البلوغ‏,‏ وأصحهما قبله‏,‏ وعلى هذا ففي كيفيّة اختباره وجهان‏,‏ أصحهما‏:‏ يدفع إليه قدر من المال‏,‏ ويمتحن في المماكسة والمساومة‏,‏ فإذا آل الأمر إلى العقد عقد الولي‏,‏ والثّاني‏:‏ يعقد الصّبي ويصح منه هذا العقد للحاجة‏.‏

وذهب الحنابلة‏:‏ إلى أنّ الإذن محل اعتبارٍ‏,‏ فإن كان عامّاً كان للصّغير أن يمارس التّجارة بشكل عامٍّ‏,‏ وإن كان خاصّاً التزم الصّغير به‏,‏ فللوليّ أن يأذن للصّغير في التّجارة وعلى الصّغير أن يلتزم بما حدّده له الولي قدراً ونوعاً‏,‏ فإذا حدّد له الاتّجار في نوعٍ‏,‏ فليس له أن يتعدّاه‏,‏ أو مبلغاً فليس له أن يتجاوزه‏,‏ وإذا أذن له في التّجارة إذناً مطلقاً‏,‏ فليس له أن يتصرّف في غيرها من وكالةٍ أو توكيلٍ‏,‏ أو رهنٍ أو إعارةٍ‏.‏

من له حق الإذن

6 - حق الإذن بالتّصرف للمأذون يكون لمن يملك التّصرف عنه وهو الولي‏,‏ والوصي‏,‏ والقاضي‏,‏ وذلك بشروط وضوابط بيّنها الفقهاء في مواضعها‏.‏

والتّفصيل في مصطلحات‏:‏ ‏(‏إذن ف 27‏,‏ وليّ‏,‏ وصيّ‏)‏‏.‏

تصرفات الصّغير المأذون

7 - تصرفات الصّغير تعتريها حالات ثلاث‏:‏

فإمّا أن تكون نافعةً‏,‏ وإمّا أن تكون ضارّةً‏,‏ وإمّا أن تكون متأرجحةً بين النّفع والضّرر‏.‏ وهذه التّصرفات بعضها تصح بإذن وليّه‏,‏ وبعضها لا تصح ولو بالإذن‏,‏ وبعضها لا يحتاج إلى إذنٍ‏.‏

أ - فالتّصرفات الّتي تكون نافعةً للصّغير‏,‏ ولا تحتمل الضّرر‏:‏ من تملك مالٍ‏,‏ أو منفعةٍ دون مقابلٍ‏,‏ لا تحتاج إلى إذنٍ‏,‏ ويصح تصرفه عند جمهور الفقهاء غير الشّافعيّة‏,‏ ورواية عند الحنابلة‏.‏

وتفصيل ذلك‏:‏ أنّ الحنفيّة والمالكيّة‏,‏ قالوا‏:‏ بأنّ الصّبيّ المميّز يصح له أن يقبل الهبة المطلقة‏,‏ وأن يقبضها‏,‏ ويملكها بقبضه‏,‏ وإن لم يأذن له وليه‏,‏ وهو اختيار بعض الحنابلة‏.‏

ولمّا كان قبول الهبة وقبضها نفعاً محضاً لا يشوبه ضرر‏,‏ صحّ من الصّبيّ من غير إذن الوليّ‏,‏ لأجل مصلحته‏.‏

وذهب الشّافعيّة‏:‏ إلى أنّ الصّبيّ لا يصح منه قبول الهبة ولا يقبضها‏,‏ وإن أذن له وليه‏,‏ حتّى لو قبضها لم يملكها بهذا القبض‏,‏ لإبطالهم سائر تصرفات الصّغير‏,‏ لأنّه محجور عليه‏,‏ ولو كان عقد هبةٍ‏,‏ لأنّه ليس أهلاً لإبرام العقود‏,‏ وإن تمحّض نفعاً‏.‏

وذهب الحنابلة‏:‏ إلى أنّ الصّغير يصح قبوله الهبة وقبضها‏,‏ إذا أذن له الولي في ذلك‏,‏ فإن لم يأذن له لم يصحّ قبوله ولا قبضه‏,‏ لأنّ الهبة عقد‏,‏ ولا بدّ لمن يقبل‏,‏ أن يكون أهلاً لإبرام العقود‏,‏ والصّبي ليس أهلاً لذلك إلا بإذن الوليّ‏.‏

ولأنّه بالقبض يصير مستولياً على المال‏,‏ وهناك احتمال تضييعه أو التّفريط في حفظه‏,‏ فينبغي أن يحفظ عنه ويمنع من قبضه‏,‏ أمّا إذا كان بالإذن‏,‏ فإنّ الاحتمال هذا مدفوع‏.‏

ب - أما التّصرفات الضّارّة الّتي تؤدّي إلى ضررٍ محضٍ‏,‏ ولا تحتمل النّفع كالهبة والوقف والقرض‏,‏ فلا تصح من الصّغير‏,‏ ولو أذن له وليه‏.‏

وهذا باتّفاق الفقهاء لأنّ الوليّ لا يملك هذه التّصرفات‏,‏ فلا يملك الإذن بها‏.‏

أما الوصيّة‏,‏ والصلح‏,‏ والإعارة‏,‏ فقد اختلف الفقهاء في جوازها نظراً لما رأوه فيها من نفعٍ أو ضررٍ‏.‏

ج - أمّا تصرف الصّغير المميّز في المعاوضات فإمّا أن تكون قبل إذن الوليّ‏,‏ أو بعد إذنه‏,‏ فتصرفه قبل الإذن ينعقد صحيحاً‏,‏ ويكون نفاذه موقوفاً على إجازة وليّه‏,‏ إن أجازه لزم‏,‏ وإن ردّه فسخ‏,‏ وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة‏,‏ ورواية عند الحنابلة‏.‏

وتعليل ذلك‏:‏ أنّ عبارة الصّغير المميّز صحيحة‏,‏ لأنّه قاصد لها‏,‏ فاهم لمعناها‏,‏ وما يترتّب عليها‏,‏ فلا معنى لإلغائها‏,‏ ولأنّ في تصحيح عبارته تعويداً له على التّجارة‏,‏ ومراناً واختباراً لمدى ما وصل إليه من إدراكٍ‏,‏ ممّا يسهّل الحكم برشده‏,‏ أو عدم رشده بعد البلوغ‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة - في روايةٍ - إلى عدم صحّة تصرفه بدون إذن وليّه‏,‏ لأنّ عبارته ملغاة‏,‏ فلا تصح بها العقود‏,‏ ولأنّه محجور عليه‏,‏ فلا يصح تصرفه كالسّفيه‏,‏ ولأنّ في تصحيح تصرفه ضياعاً لماله‏,‏ وضرراً عليه‏,‏ لأنّه لا يحسن التّصرف‏,‏ فلا يصح منه‏.‏

أما تصرفاته بعد الإذن‏,‏ فقد اختلف فيها الفقهاء‏:‏

فالحنفيّة‏,‏ والمالكيّة‏,‏ والحنابلة‏:‏ يرون أنّ للوليّ أن يأذن للصّغير المميّز في المعاوضات‏,‏ وأنّ تصرفه حينئذٍ صحيح نافذ‏,‏ واستدلوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ‏}‏ والابتلاء يكون قبل البلوغ‏,‏ ولأنّ الصّبيّ عاقل مميّز‏,‏ فيصح تصرفه بإذن وليّه‏,‏ كما يصح تصرف العبد المحجور عليه بإذن سيّده‏.‏

وذهب الشّافعيّة في الأصحّ وروايةٍ عن أحمد‏:‏ إلى أنّه ليس للوليّ أن يأذن للصّغير في التّجارة‏,‏ ولو أذن له لم يصحّ إذنه‏,‏ فلا يصح تصرفه بعد الإذن‏,‏ كما لم يصحّ قبل الإذن‏,‏ لقولـه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «رفع القلم عن ثلاثةٍ‏:‏ عن النّائم حتّى يستيقظ‏,‏ وعن الصّغير حتّى يكبر‏,‏ وعن المجنون حتّى يعقل أو يفيق»‏,‏ فلو صحّ بيعه لزمه تسليم المبيع‏,‏ وما يترتّب على العقد من عهدةٍ‏,‏ والحديث ينفي التزام الصّبيّ بأيّ شيءٍ‏,‏ فالقول بصحّة تصرفاته يتنافى مع الحديث‏,‏ فلا يجوز القول به‏.‏

وفي روايةٍ أخرى عند الشّافعيّة يصح من المأذون للحاجة‏.‏

والصّحيح أنّ الصّغير المميّز يمكن أن يؤدّي المبيع أو الثّمن ويمكن أن ينوب عنه وليه‏.‏

تصرفات السّفيه المأذون

8 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ السّفيه المأذون له بالبيع والشّراء ينفذ تصرفه هذا‏.‏ وأمّا الشّافعيّة في الأصحّ عندهم‏,‏ والحنابلة في أحد وجهين فقد ذهبوا إلى عدم صحّة ذلك العقد‏.‏

وفي القول المقابل للأصحّ عند الشّافعيّة والوجه الآخر عند الحنابلة يصح عقده‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏سفه ف 26 وما بعدها‏)‏‏.‏

وفاة الآذن وأثره في بطلان الإذن

9 - إذا مات الآذن‏:‏ إن كان أباً‏,‏ انتهت الولاية‏,‏ وترتّب على ذلك بطلان الإذن واستمرار الحجر عليه‏.‏

وإن كان الآذن وصيّاً‏,‏ فتنتهي الوصاية بوفاته‏,‏ وينتهي الإذن أيضاً‏,‏ وما يفعله المأذون من تصرفاتٍ بعد موت الآذن‏,‏ لا تصح‏,‏ ولا يترتّب عليها أي آثارٍ‏.‏

وينظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏إذن ف 65‏)‏ ومصطلح‏:‏ ‏(‏ولاية ووصيّة‏)‏‏.‏

المؤلَّفة قلوبهم

التّعريف

1 - المؤلّفة في اللغة‏:‏ جمع مؤلّفٍ وهو اسم مفعولٍ من الألفة‏,‏ يقال‏:‏ ألّفت بينهم تأليفاً إذا جمعت بينهم بعد تفرقٍ‏,‏ والمراد بتأليف قلوبهم‏:‏ استمالة قلوبهم بالإحسان والمودّة‏.‏ والمؤلّفة قلوبهم في الاصطلاح‏:‏ هم الّذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام‏,‏ أو تقريراً لهم على الإسلام‏,‏ أو كف شرّهم عن المسلمين‏,‏ أو نصرهم على عدوٍّ لهم‏,‏ ونحو ذلك‏.‏

حكمة تأليف القلوب

2 - حثّ الإسلام أتباعه بالإحسان إلى خصومهم وأعدائهم‏,‏ وبذلك يفتح الإسلام القلوب بالإحسان‏,‏ كما يفتح العقول بالحجّة والبرهان‏,‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَََلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَََلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏‏.‏

ولذلك شرع الإسلام نصيباً من مال الزّكاة لتأليف القلوب‏,‏ قال القرطبي‏:‏ قال بعض المتأخّرين‏:‏ اختلف في صفة المؤلّفة قلوبهم، فقيل‏:‏ هم صنف من الكفّار يعطون ليتألّفوا على الإسلام‏,‏ وكانوا لا يسلمون بالقهر والسّيف‏,‏ ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان‏,‏ وقيل‏:‏ هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يعطون ليتألّفوا أتباعهم على الإسلام‏,‏ قال‏:‏ هذه الأقوال متقاربة‏,‏ والقصد بجميعها الإعطاء لمن لا يتمكّن إسلامه حقيقةً إلا بالعطاء فكأنّه ضرب من الجهاد‏.‏

وقال‏:‏ المشركون ثلاثة أصنافٍ‏:‏ صنف يرجع بإقامة البرهان‏,‏ وصنف بالقهر‏,‏ وصنف بالإحسان‏,‏ والإمام النّاظر للمسلمين يستعمل مع كلّ صنفٍ ما يراه سبباً لنجاته وتخليصه

من الكفر‏,‏ وقد فقّه الرّسول صلى الله عليه وسلم أمّته في تأليف النّاس على الإسلام بقوله‏:‏ «إنّي لأعطي الرّجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يُكبّ في النّار على وجهه»‏.‏

سهم المؤلّفة قلوبهم

3 - اختلف الفقهاء في سهم الزّكاة المخصّص للمؤلّفة قلوبهم‏:‏

فجمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ سهمهم باقٍ‏.‏

وذهب بعضهم إلى أنّ سهمهم منقطع لعزّ الإسلام‏,‏ لكن إذا احتيح إلى تألفهم أعطوا‏.‏

وقال الحنفيّة بسقوط سهم المؤلّفة قلوبهم‏.‏

4 - ثمّ اختلف الفقهاء في أقسامهم‏:‏

فقال المالكيّة‏:‏ المؤلّفة قلوبهم كفّار يتألّفون‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ لا يعطى من هذا السّهم لكافر أصلاً‏.‏

وجوّز الحنابلة الإعطاء لمؤلّف مسلماً كان أو كافراً‏.‏

وقال ابن قدامة‏:‏ المؤلّفة قلوبهم ضربان‏:‏ كفّار ومسلمون‏,‏ والكفّار صنفان‏,‏ والمسلمون أربعة أصنافٍ‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏زكاة ف 167 - 168‏)‏‏.‏

مأمومة

التّعريف

1 - المأمومة في اللغة‏:‏ هي الشّجّة الّتي تبلغ أمّ الرّأس‏,‏ وهي الجلدة الّتي تجمع الدّماغ‏,‏ ويقال لها‏:‏ آمّة أيضاً‏,‏ قال المطرّزيّ‏:‏ إنّما قيل للشّجّة آمّة ومأمومة على معنى ذات أمٍّ كعيشة راضيةٍ‏,‏ وجمعها أوام ومأمومات ومآميم‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

الشّجّة‏:‏

2 - الشّجّة في اللغة‏:‏ الجراحة في الوجه أو الرّأس‏,‏ والشّجج أثر الشّجّة في الجبين‏.‏

ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ الشّجّة عن المعنى اللغويّ‏.‏

والصّلة‏:‏ أنّ الشّجّة أعم من المأمومة‏,‏ لأنّ المأمومة واحدة من شجاج الوجه والرّأس‏.‏

الحكم الإجمالي

3 - ذهب الفقهاء إلى أنّ في المأمومة ثلث الدّية وذلك لما ورد في حديث عمرو بن حزمٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «وفي المأمومة ثلث الدّية»‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏ديات ف 68‏,‏ وشجاج ف 4 وما بعدها‏)‏‏.‏

مُؤْنة

التّعريف

1 - المؤْنة - بهمزة ساكنةٍ - في اللغة‏:‏ الثّقل والمؤونة مثله‏,‏ والمؤونة‏:‏ القوت‏.‏ والمؤنة عند الفقهاء‏:‏ الكُلْفة‏,‏ أي ما يتكلّفه الإنسان من نفقةٍ ونحوها‏.‏

وكثيراً ما يعبّر الفقهاء عن النّفقة بالمؤنة وعن المؤنة بالنّفقة‏.‏

وصرّح بعضهم بأنّ المؤنة أعم من النّفقة‏,‏ قال الشّرقاويّ‏:‏ لأنّ المؤنة في اللغة‏:‏ القيام‏.‏ بالكفاية قوتاً أو غيره‏,‏ والإنفاق النّفقة بل ذو القوت فقط‏.‏

والفقهاء يعقدون باباً خاصّاً للنّفقة ويقصدون بها نفقة الزّوجة والأقارب والمماليك‏,‏ فيقولون‏:‏ أسباب النّفقة ثلاثة‏:‏ النّكاح والقرابة والملك‏.‏

ما يتعلّق بالمؤنة من أحكامٍ

المؤنة في الزّكاة

2 - اختلف الفقهاء في احتساب المؤنة الّتي تتكلّفها الزروع والثّمار الّتي تجب فيها الزّكاة‏:‏

فذهب المالكيّة إلى أنّه يحسب من نصاب الزّكاة - خمسة أوسقٍ فأكثر - ما استأجر المالك به من الزّرع في حصاده أو دراسته‏,‏ أو تذريته حال كونه قتَّا - أي محزوماً - ويحسب كذلك الكيل الّذي استأجر به‏,‏ ولقط اللّقاط الّذي مع الحصاد لأنّه من الأجرة‏,‏ لا لقط ما تركه ربه‏,‏ ولا يحسب أكل دابّةٍ في حال دوسها لعسر الاحتراز منها‏,‏ فنزل منزلة الآفات السّماويّة وأكل الوحوش‏,‏ ويحسب ما تأكله حال استراحتها‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ مؤنة تجفيف التّمر وجذاذ الثّمار وحصاد الحبّ‏,‏ وحمله ودياسه وتصفيته وحفظه‏,‏ وغير ذلك من مؤن الثّمر والزّرع‏,‏ تكون كلها على المالك لا من مال الزّكاة‏.‏ وحكى صاحب الحاوي عن عطاء بن أبي رباحٍ أنّه قال‏:‏ تكون المؤنة من وسط المال لا يختص بتحملها المالك دون الفقراء‏,‏ لأنّ المال للجميع فوزّعت المؤنة عليه‏.‏

وقال أحمد‏:‏ من استدان ما أنفق على زرعه‏,‏ واستدان ما أنفق على أهله‏,‏ احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله‏,‏ لأنّه من مؤنة الزّرع‏,‏ وعندهم في ذلك تفصيل‏.‏ ويرى الحنفيّة وجوب إخراج زكاة الزّرع بلا رفع مؤنةٍ من أجرة العمّال ونفقة البقر‏,‏ وكري الأنهار وأجرة الحافظ وبلا رفع إخراج البذر‏.‏

وللتّفصيل‏:‏ ‏(‏ر‏:‏ زكاة ف 116‏)‏‏.‏

المؤنة في الإجارة

3 - المؤنة في الإجارة إمّا أن تكون بالنّسبة لكلفة ردّ العين المستأجرة‏,‏ وإمّا أن تكون بالنّسبة لما يحتاجه المستأجر من مؤنةٍ أثناء الإجارة‏.‏

وبيان ذلك فيما يلي‏:‏

أوّلاً‏:‏ مؤنة ردّ العين المستأجرة

4 - ذهب الحنفيّة - على ما قال محمّد في الأصل - إلى أنّه ليس على المستأجر رد ما استأجر على المالك‏,‏ وعلى الّذي آجر أن يقبض من منزل المستأجر‏,‏ قال محمّد في الأصل‏:‏ إذا استأجر الرّجل رحىً يطحن عليها شهراً بأجر مسمّىً‏,‏ فحمله إلى منزله فمؤنة الرّدّ على ربّ الرّحى‏,‏ والمصر وغير المصر في ذلك سواء‏,‏ فمؤنة الرّدّ على ربّ المال‏,‏ لكنّ هذا إذا كان الإخراج بإذن ربّ المال‏,‏ فأمّا إذا حصل الإخراج بغير إذن ربّ المال فمؤنة الرّدّ على المستأجر‏.‏

وأمّا الرّد بالنّسبة للأجير المشترك نحو القصّار والصّبّاغ والنّسّاج فهو على الأجير‏,‏ لأنّ الرّدّ نقض القبض‏,‏ فيجب على من كان منفعة القبض له‏,‏ ومنفعة القبض في هذه المواضع للأجير‏,‏ لأنّ للأجير عيناً وهو الأجرة‏,‏ ولربّ الثّوب المنفعة‏,‏ والعين خير من المنفعة فكان الرّد عليه‏.‏

والشّافعيّة يبنون تحمل مؤنة ردّ الشّيء المستأجر على لزوم الرّدّ وعدم لزومه‏.‏

جاء في المهذّب‏:‏ اختلف أصحابنا في ردّ المستأجَر بعد انقضاء الإجارة فمنهم من قال‏:‏ لا يلزم المستأجِر الرّد قبل المطالبة‏,‏ لأنّ المستأجَر أمانة فلا يلزمه ردها قبل الطّلب كالوديعة‏,‏ ومنهم من قال‏:‏ يلزمه لأنّه بعد انقضاء الإجارة غير مأذونٍ له في إمساكها‏,‏ فلزمه الرّد كالعارية المؤقّتة بعد انقضاء وقتها‏,‏ فإن قلنا‏:‏ لا يلزمه الرّد لم يلزمه مؤنة الرّدّ كالوديعة‏,‏ وإن قلنا‏:‏ يلزمه الرّد لزمه مؤنة الرّدّ كالعارية‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ لا يلزم المستأجر رد الشّيء المستأجر‏,‏ ولا مؤنته كالمودَع، لأنّ الإجارة عقد لا يقتضي الضّمان‏,‏ فلا يقتضي الرّدّ ولا مؤنته‏.‏

ثانياً‏:‏ مؤنة المستأجر أثناء الإجارة

5 - اتّفق الفقهاء على أنّ مؤنة الشّيء المستأجَر كعلف الدّابّة وسقيها تكون على المؤجِّر أثناء مدّة الإجارة‏,‏ لأنّ ذلك من مقتضى التّمكين فكان عليه‏,‏ إلا أنّ الفقهاء يختلفون في التّفصيل كما يلي‏:‏

6 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ نفقة المستأجَر على الآجر عيناً كانت أو منفعةً‏,‏ وعلف الدّابّة المستأجرة وسقيها على المؤجّر‏,‏ لأنّها ملكه فإن علفها المستأجر بغير إذنه فهو متطوّع‏,‏ لا يرجع به على المؤجّر‏.‏

وليس على المستأجِر طعام الأجير إلا أن يتطوّع بذلك‏,‏ أو يكون فيه عرف ظاهر‏.‏

وقد ذكر الحنفيّة حكم ما إذا شرط المؤجّر على المستأجر الطّعام أو العلف‏,‏ جاء في الفتاوى الهنديّة‏:‏ رجل استأجر عبداً كلّ شهرٍ بكذا‏,‏ على أن يكون طعامه على المستأجر‏,‏ أو دابّةً على أن يكون علفها على المستأجر‏,‏ ذكر في الكتاب أنّه لا يجوز‏.‏

وفي الفتاوى الهنديّة‏:‏ كل إجارةٍ فيها رزق أو علف فهي فاسدة إلا في استئجار الظّئر بطعامها وكسوتها، كذا في المبسوط‏.‏

وإذا اكترى رجل حماراً فعيي في الطّريق‏,‏ فأمر المكتري رجلاً أن ينفق على الحمار ففعل المأمور‏,‏ فإن علم المأمور أنّ الحمار لغير الآمر لا يرجع بما أنفق على أحدٍ‏,‏ لأنّه متبرّع‏,‏ وإن لم يعلم المأمور أنّ الحمار لغير الآمر له أن يرجع على الآمر‏,‏ وإن لم يقل الآمر على أنّي ضامن‏.‏

7 - وأجاز المالكيّة اشتراط المؤنة على المستأجر‏,‏ جاء في منح الجليل‏:‏ جاز كراء الدّابّة على أنّ على المكتري علفها‏,‏ ولا بأس أن يكتري إبلاً من رجلٍ على أنّ عليه رحلتها‏,‏ أو يكتري دابّةً بعلفها أو أجيراً بطعامه‏,‏ فذلك جائز وإن لم توصف النّفقة لأنّه معروف‏,‏ قال مالك‏:‏ لا بأس أن يؤاجر الحر والعبد أجلاً معلوماً بطعامه في الأجل أو بكسوته فيه‏.‏

وجاء في منح الجليل أيضاً‏:‏ وإذا اكتريت من رجلٍ إبله‏,‏ ثمّ هرب الجمّال وتركها في يديك‏,‏ فأنفقت عليها فلك الرجوع بذلك‏,‏ وكذلك إن اكتريت من يرحّلها رجعت بكرائه‏,‏ وتأوّل أبو إسحاق ذلك بكون العادة أنّ ربّ الإبل هو الّذي يرحّلها‏,‏ قال ابن عرفة‏:‏ والأظهر بمقتضى القواعد‏:‏ أن يلزم المكري البرذعة والسّرج ونحوهما‏,‏ لا مؤنة الحطّ والحمل‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ لا بأس بإجارة الظّئر على إرضاع الصّبيّ‏,‏ ولا يلزم المستأجر غير ما استأجرها به من أجرةٍ‏,‏ إلا أن يشترط أن يكون على المستأجر طعامها وكسوتها‏,‏ فذلك جائز‏,‏ قال ابن حبيبٍ‏:‏ وطعامها وكسوتها على قدرها وقدر هيئتها وقدر أبي الصّبي في غناه وفقره‏.‏

ويجوز أن يكون طعام الأجير وحده هو الأجرة أو مع دراهم‏.‏

8 - وقال الشّافعيّة‏:‏ على المكري علف الظّهر وسقيه‏,‏ لأنّ ذلك من مقتضى التّمكين فكان عليه‏,‏ ومن اكترى جمالاً فهرب الجمّال وتركها عند المكتري فلا فسخ له ولا خيار‏,‏ بل إن شاء تبرّع بمؤنتها‏,‏ وإن لم يتبرّع رفع الأمر إلى القاضي‏:‏ ليموّنها القاضي ويموّن من يقوم بحفظها من مال الجمّال إن كان له مال‏,‏ فإن لم يكن للجمّال مال ولم يكن في الجمال فضل‏,‏ اقترض القاضي على الجمّال من المكتري أو من أجنبيٍّ أو من بيت المال‏,‏ فإن وثق القاضي بالمكتري دفع ما اقترضه إليه‏,‏ وإن اقترضه منه لينفقه عليها‏,‏ وإن لم يثق به جعل القاضي ما اقترضه عند ثقةٍ ينفق عليها‏.‏

وإذا لم يجد القاضي مالاً يقترضه فله أن يبيع من الجمال قدر النّفقة عليها وعلى من يتعهّدها‏,‏ وإذا كان في الجمال المتروكة زيادة على حاجة المستأجر فلا يقترض القاضي على الجمال‏,‏ كما صرّح به العراقيون بل يبيع الفاضل عن الحاجة‏.‏

ولو أذن القاضي للمكتري في الإنفاق على الجمال‏,‏ وعلى متعهّدها من ماله أو من مال غيره‏,‏ ليرجع بما أنفقه عليها وعلى متعهّدها‏,‏ جاز في الأظهر‏,‏ كما لو اقترض ثمّ دفع إليه‏,‏ ولأنّه محل ضرورةٍ‏,‏ فقد لا يجد القاضي من يقرضه أو لا يراه‏,‏ ومقابل الأظهر المنع ويجعل متبرّعاً‏.‏

وإذا أنفق المستأجر بغير إذن الحاكم فإنّه لا يرجع بما أنفق ويعتبر متبرّعاً‏,‏ لكنّ محلّ هذا إذا أمكن إذن الحاكم‏,‏ فإذا لم يمكن إذن الحاكم كأن لم يكن حاكم‏,‏ أو عسر إثبات الواقعة عنده‏,‏ فأنفق وأشهد على ما أنفق ليرجع رجع‏,‏ والقول قوله في قدر ما أنفق إذا ادّعى نفقة مثله في العادة‏,‏ لأنّه أمين‏.‏

وإن كانت الإجارة في الذّمّة فمؤنة الدّليل وسائق الدّابّة وأجرة الخفير على المكري‏,‏ لأنّ ذلك من مؤن التّحصيل‏,‏ وإن كانت الإجارة على ظهرٍ بعينه فهو على المكتري‏,‏ لأنّ الّذي يجب على المكري تسليم الظّهر وقد فعل‏.‏

وطعام المرضعة وشرابها عليها‏,‏ وعليها أن تأكل وتشرب ما يدر به اللّبن ويصلح به‏,‏ وللمستأجر أن يطالبها بذلك‏,‏ لأنّه من مقتضى التّمكين من الرّضاع‏,‏ وفي تركه إضرار بالصّبيّ‏.‏

9 - وذهب الحنابلة إلى ما ذهب إليه الشّافعيّة في الجملة‏,‏ وذلك بالنّسبة للإنفاق على الجمال الّتي تركها المكري عند المستأجر دون أن يكون له مال وحينئذٍ يرفع المستأجر الأمر للقاضي ليقترض له‏,‏ أو ليأذن له في الإنفاق ويكون ديناً على المكري‏,‏ وفي الإنفاق عند عدم الحاكم مع الإشهاد وعدمه‏,‏ وهذا على ما سبق من التّفصيل في مذهب الشّافعيّة‏.‏ واختلفت الرّواية عن أحمد فيمن استأجر أجيراً بطعامه وكسوته‏,‏ أو جعل له أجراً وشرط طعامه وكسوته‏,‏ فروي عنه جواز ذلك‏,‏ وروي عن أبي بكرٍ وعمر وأبي موسى رضي الله عنهم أنّهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم‏,‏ وروي عن أحمد أنّ ذلك جائز في الظّئر دون غيرها‏,‏ واختار القاضي هذه الرّواية‏,‏ لأنّ ذلك مجهول‏,‏ وإنّما جاز في الظّئر لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ‏}‏ فأوجب لهنّ النّفقة والكسوة على الرّضاع‏.‏

وروي عن أحمد رواية ثالثة‏:‏ أنّه لا يجوز ذلك بحال لا في الظّئر ولا في غيرها‏.‏

واستدلّ ابن قدامة على رواية جواز استئجار الأجير بطعامه وكسوته بما روى عتبة بن المنذر رضي الله عنه قال‏:‏ «كنّا عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقرأ‏:‏ ‏{‏طسم‏}‏ حتّى إذا بلغ قصّة موسى قال‏:‏ إنّ موسى صلى الله عليه وسلم آجر نفسه ثماني سنين أو عشراً على عفّة فرجه وطعام بطنه»‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه‏.‏

وقال ابن قدامة أيضاً‏:‏ وإن شرط الأجير كسوةً معلومةً ونفقةً موصوفةً كما يوصف في السّلم جاز ذلك‏,‏ وإن لم يشترط طعاماً ولا كسوةً فنفقته وكسوته على نفسه‏,‏ وكذلك الظّئر‏.‏ ولو استأجر دابّةً بعلفها أو بأجرٍ مسمّىً وعلفها لم يجز‏,‏ لأنّه مجهول‏,‏ ولا عرف له يرجع إليه إلا أن يشترطه موصوفاً فيجوز‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ أجرة الدّليل تكون على المكتري‏,‏ لأنّ ذلك خارج عن البهيمة المكتراة وآلتها فلم يلزمه كالزّاد‏,‏ وقيل‏:‏ إن كان اكترى منه بهيمةً بعينها فأجرة الدّليل على المكتري‏,‏ لأنّ الّذي عليه أن يسلّم الظّهر وقد سلّمه‏,‏ وإن كانت الإجارة على حمله إلى مكانٍ معيّنٍ في الذّمّة فهو على المكري‏,‏ لأنّه من مؤنة إيصاله إليه وتحصيله فيه‏.‏

مؤنة ردّ المغصوب

10 - من غصب شيئاً وجب رده لصاحبه متى كان باقياً لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»‏.‏

والرّد واجب على الفور عند التّمكن‏,‏ ومؤنة الرّدّ تكون على الغاصب‏,‏ باتّفاق الفقهاء في الجملة‏,‏ وإن عظمت المؤنة في ردّه كما قالت الشّافعيّة والحنابلة‏.‏

ومن غصب شيئاً ونقله إلى بلدٍ أخرى ولقيه المغصوب منه في هذا المكان‏,‏ والعين في يد الغاصب‏,‏ فملخّص ما قاله الحنفيّة‏:‏ أنّه إن كان نقل المغصوب يحتاج إلى حملٍ ومؤنةٍ فالمالك بالخيار إن شاء طالبه بالقيمة‏,‏ وإن شاء انتظر إلى أن يردّه الغاصب إلى مكان الغصب‏,‏ وإن لم يكن له حمل ومؤنة كما لو كان المغصوب دراهم أو دنانير فليس للمغصوب منه مطالبة الغاصب بالقيمة‏,‏ وإنّما له أخذ عين شيئه‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ إن كان المغصوب مثليّاً فلا يلزم الغاصب إلا مثله في بلد الغصب‏,‏ وقال أشهب‏:‏ ويخيّر المغصوب منه بين أخذه في هذا البلد أو في مكان الغصب‏,‏ وإذا طلب المغصوب من الغاصب ردّ المثليّ لبلد الغصب ليأخذه بعينه فلا يجبر الغاصب على ردّه لبلده‏,‏ قال في الذّخيرة‏:‏ نقل المغصوب تباينت فيه الآراء بناءً على ملاحظة أصولٍ وقواعد منها‏:‏ أنّ الغاصب لا ينبغي أن يغرم كلفة النّقل لأنّ ماله معصوم كمال المغصوب منه‏.‏

وإن كان المغصوب متقوّماً فإن كان لا يحتاج في نقله إلى كبير حملٍ كالدّوابّ أخذه المغصوب منه من الغاصب‏,‏ وإن كان يحتاج إلى كبير حملٍ فيخيّر ربه بين أخذه أو أخذ قيمته يوم غصبه‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ لو لقي المالك الغاصب بمفازة والمغصوب معه فإن استردّه لم يكلّف الغاصب أجرة النّقل‏,‏ وإن امتنع المالك من قبوله فوضعه الغاصب بين يديه برئ إن لم يكن لنقله مؤنة‏.‏

ولو أخذه المالك وشرط على الغاصب مؤنة النّقل لم يجز‏,‏ لأنّه نقل ملك نفسه‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ إذا غصب إنسان شيئاً ببلد فلقيه المالك ببلد آخر فإن كان من المثليّات وكانت قيمته مختلفةً في البلدين فإن لم يكن له حمل ومؤنة فله المطالبة بمثله‏,‏ لأنّه يمكن رد المثل من غير ضررٍ‏,‏ وإن كان لحمله مؤنة وقيمته في البلد الّذي غصبه فيه أقلّ فليس عليه رده ولا رد مثله‏,‏ لأنّنا لا نكلّفه مؤنة النّقل إلى بلدٍ لا يستحق تسليمه فيه‏,‏ وللمغصوب منه الخيرة بين الصّبر إلى أن يستوفيه في بلده وبين المطالبة في الحال بقيمته في البلد الّذي غصبه فيه‏,‏ وإن كان من المتقوّمات فله المطالبة بقيمته في بلد الغصب‏.‏ وإن قال رب المغصوب‏:‏ دعه مكانه وأعطني أجرة ردّه إلى مكانه‏,‏ وإلا ألزمتك بردّه لم يلزمه لأنّها معاوضة فلا يجبر عليها‏,‏ وإن قال الغاصب‏:‏ خذ منّي أجر ردّه وتسلمه منّي ههنا أو بذل له أكثر من قيمته لم يلزم المالك قبول ذلك لأنّها معاوضة فلا يجبر عليها‏.‏

مؤنة الموقوف

11 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يرجع إلى شرط الواقف في نفقة الموقوف ومؤن تجهيزه وعمارته‏,‏ وسواء شرطها الواقف من ماله أو من مال الوقف‏,‏ كأن يقول الواقف‏:‏ ينفق عليه أو يعمّر من جهة‏,‏ كذا فإن عيّن الواقف الإنفاق من غلّته أو من غيرها عمل به رجوعاً إلى شرطه‏,‏ وإن لم يشرط الواقف شيئاً كان الإنفاق عليه من غلّته‏,‏ لأنّ الوقف يقتضي تحبيس الأصل وتسبيل منفعته‏,‏ ولا يحصل ذلك إلا بالإنفاق عليه‏,‏ فكان ذلك من ضروراته‏.‏

فإن تعطّلت منافعه‏,‏ فقد قال الشّافعيّة‏:‏ تكون النّفقة ومؤن التّجهيز - لا العمارة - من بيت المال‏,‏ كمن أعتق من لا كسب له‏,‏ أمّا العمارة فلا تجب على أحدٍ حينئذٍ كالملك المطلق بخلاف الحيوان لصيانة روحه وحرمته‏.‏

قالوا‏:‏ وظاهر أنّ مثل العمارة أجرة الأرض الّتي بها بناء أو غراس موقوف ولم تف منافعه بالأجرة‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ إن لم يكن للموقوف غلّة فنفقته على الموقوف عليه المعيّن‏,‏ فإن عدم الغلّة لكونه ليس من شأنه أن يؤجّر كالعبد الموقوف عليه ليخدمه والفرس يغزو عليه أو جرّ بنفقته دفعاً للضّرورة‏,‏ وإن كان الوقف على غير معيّنٍ كالمساكين فنفقته في بيت المال‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ يبدأ من غلّة الوقف بالصّرف على عمارته وإصلاح ما وهى من بنائه‏,‏ وسائر مؤناته الّتي لا بدّ منها سواء شرط الواقف ذلك أو لم يشرط‏,‏ لأنّ الوقف صدقة جارية في سبيل اللّه تعالى ولا تجري إلا بهذا الطّريق‏,‏ قال الكمال بن الهمام‏:‏ فكانت العمارة مشروطةً اقتضاءً‏,‏ ولهذا ذكر محمّد في الأصل في شيءٍ من رسم الصكوك‏:‏ فاشترط أن يرفع الوالي من غلّة الوقف كلّ عامٍ ما يحتاج إليه لأداء العشر والخراج والبذر وأرزاق الولاة عليها والعملة وأجور الحرّاس والحصادين والدّراس‏,‏ لأنّ حصول منفعتها في كلّ وقتٍ لا يتحقّق إلا بدفع هذه المؤن من رأس الغلّة‏.‏

وقال الكاساني‏:‏ لو وقف داره على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى‏,‏ لأنّ المنفعة له فكانت المؤنة عليه لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الخراج بالضّمان»‏.‏

فإن امتنع من العمارة أو لم يقدر عليها بأن كان فقيراً آجرها القاضي وعمّرها بالأجرة‏,‏ لأنّ استبقاء الوقف واجب‏,‏ ولا يبقى إلا بالعمارة‏,‏ فإذا امتنع عن ذلك أو عجز عنه ناب القاضي منابه في استبقائه بالإجارة‏,‏ كالدّابّة إذا امتنع صاحبها عن الإنقاق عليها أنفق القاضي عليها بالإجارة‏,‏ وإن كان الوقف على الفقراء فالمؤنة من الغلّة‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ يبدأ بإصلاح الوقف وعمارته من غلّته‏,‏ ولو شرط الواقف غير ذلك بطل شرطه‏,‏ وإن احتاج العقار الموقوف على معيّنٍ لسكناه لإصلاحه ولم يصلحه الموقوف عليه من ماله أخرج السّاكن الموقوف عليه للسكنى ليكري لغيره مدّةً مستقبلةً بشرط تعجيل كرائها وإصلاحه بما يكري به‏.‏

والفرس الموقوف للغزو ينفق عليه من بيت المال ولا تلزم نفقته المحبس ولا المحبس عليه‏,‏ فإن عُدِم بيت المال بيع وعوّض بثمنه سلاح ونحوه ممّا لا يحتاج لنفقة‏,‏ وقال ابن جزي‏:‏ تبتنى الرّباع المحبسة من غلاتها‏,‏ فإن لم تكن فمن بيت المال‏.‏

مؤنة العارية

12 - اختلف الفقهاء فيما تحتاجه العارية من مؤنةٍ وهي عند المستعير‏,‏ هل هي واجبة على المستعير باعتبار أنّه المنتفع‏,‏ أم هي واجبة على المعير وهو المالك باعتبار أنّ ذلك من المعروف وجعل المؤنة على المستعير ينفي المعروف وتصير كراءً ‏؟‏‏.‏

كذلك اختلف الفقهاء في مؤنة ردّ العارية هل هي على المستعير أو المعير‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏إعارة ف 20 - 21‏)‏‏.‏

مائع

التّعريف

1 - المائع في اللغة‏:‏ السّائل والذّائب‏.‏

وماع الجسم يميع ميعاً وموعاً - من بابي باع وقال - ذاب وسال‏.‏

ويتعدّى بالهمزة فيقال‏:‏ أمعته‏,‏ ويقال ماع الشّيء انماع أي سال‏,‏ ومنه قول سعيد بن المسيّب‏:‏ في جهنّم وادٍ يقال له ويل لو سيّرت فيه جبال الدنيا لانماعت من شدّة حرّه، أي‏:‏ ذابت وسالت‏.‏

ومعناه الاصطلاحي لا يخرج عن معناه اللغويّ‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالمائع

يتعلّق بالمائع أحكام مختلفة في عدّة مواضع منها‏:‏

أ - التّطهير بالمائع‏:‏

2 - اختلف الفقهاء في رفع المائع للحدث وإزالته للخبث عن الجسد والثّياب‏:‏

فقال جمهور الفقهاء‏:‏ لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث إلا الماء المطلق‏,‏ وقال غيرهم‏:‏ يرفع الحدث ويزيل الخبث كل مائعٍ طاهرٍ قالع في الجملة‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏طهارة ف 9 وما بعدها‏,‏ ومياه‏,‏ ونجاسة‏,‏ ووضوء‏)‏‏.‏

ب - تنجس المائعات‏:‏

3 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في أولى الرّوايات عندهم إلى أنّ ما سوى الماء المطلق من المائعات كالخلّ وماء الورد‏,‏ واللّبن والزّيت والعسل والسّمن والمرق والعصير وغيرها تتنجّس بملاقاة النّجاسة سواء كان هذا المائع قليلاً لا يبلغ القلّتين أو كثيراً يبلغ القلّتين وسواء أعسر الاحتراز منها أم لم يعسر‏,‏ لأنّه ليس لهذه المائعات خاصّيّة دفع الخبث كما هو شأن الماء لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الفأرة تموت في السّمن‏:‏ «إن كان جامداً فألقوها وما حولها‏,‏ وإن كان مائعاً فلا تقربوه وفي روايةٍ فأريقوه»‏,‏ ولأنّ الماء يدفع الخبث عن نفسه ولا يحملها‏,‏ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الماء لا ينجّسه شيء إلا ما غلب ريحه وطعمه ولونه»‏,‏ وهذا ليس في المائعات الأخرى فهي كالماء القليل‏,‏ فكل ما نجّس الماء القليل نجّس المائع‏,‏ وإن كان المائع كثيراً‏,‏ أو كان جارياً‏,‏ أمّا ما لم ينجّس الماء القليل فإنّه لا ينجّس المائع أيضاً وذلك كالميتة الّتي لا نفس لها سائلة إذا وقعت في المائع لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإنّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء» وفي روايةٍ‏:‏ «فليغمسه ثمّ لينزعه»‏.‏

قال النّووي‏:‏ الدود المتولّد في الأطعمة والماء كدود التّين‏,‏ والتفّاح والباقلاء والجبن والخلّ وغيرها لا ينجّس ما مات فيه بلا خلافٍ‏.‏

وذهب الحنفيّة وهو رواية عن أحمد إلى أنّ المائع كالماء لا ينجس إلا بما ينجس به الماء‏.‏ قال ابن عابدين‏:‏ وحكم سائر المائعات كالماء في الأصحّ - في القلّة والكثرة - حتّى لو وقع بول في عصيرٍ عشر في عشرٍ لم يفسد‏,‏ ولو سال دم رجله مع العصير لا ينجس ما لم يطهّر فيه أثر الدّم - فكل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء - من سائر المائعات‏,‏ وقال الكاساني‏:‏ ذكر الكرخي عن أصحابنا أنّ كلّ ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء ثمّ قال‏:‏ ثمّ الحيوان إذا مات في المائع القليل فلا يخلو إمّا أن يكون له دم سائل أو لا يكون‏,‏ ولا يخلو إمّا أن يكون برّياً أو مائياً‏,‏ ولا يخلو إمّا أن يموت في الماء أو في غير الماء‏,‏ فإن لم يكن له دم سائل كالذباب والزنبور والعقرب والسّمك والجراد ونحوها لا ينجس بالموت‏,‏ ولا ينجّس ما يموت فيه من المائع سواء كان ماءً أو غيره من المائعات كالخلّ واللّبن والعصير وأشباه ذلك‏,‏ وسواء كان برّياً أو مائياً كالعقرب ونحوه‏,‏ وسواء كان السّمك طافياً أو غير طافٍ لأنّ نجاسة الميتة ليست لعين الموت‏,‏ فإنّ الموت موجود في السّمك والجراد ولا يوجب التّنجيس ولكن لما فيها من الدّم المسفوح ولا دم في هذه الأشياء‏,‏ وإن كان له دم سائل فإن كان برّياً ينجس بالموت‏,‏ وينجّس المائع الّذي يموت فيه سواء كان ماءً أو غيره‏,‏ وسواء مات في المائع أو في غيره ثمّ وقع فيه كسائر الحيوانات الدّمويّة‏,‏ لأنّ الدّم السّائل نجس فينجّس ما يجاوره‏,‏ وإن كان مائياً كالضفدع المائيّ والسّرطان ونحو ذلك فإن مات في الماء لا ينجّسه في ظاهر الرّواية وإن مات في غير الماء فإن قيل‏:‏ إنّ العلّة أنّ هذا ممّا يعيش في الماء فلا يمكن صيانة المياه عن موت هذه الحيوانات يوجب التّنجيس لأنّه يمكن صيانة سائر المائعات عن موتها فيها‏,‏ وإن قيل‏:‏ إنّ العلّة أنّها إذا كانت تعيش في الماء لا يكون لها دم إذ الدّموي لا يعيش في الماء فلا يوجب التّنجيس لانعدام الدّم المسفوح‏.‏ والرّواية الثّانية عن أحمد‏:‏ أنّ المائعات لا يتنجّس منها ما بلغ القلّتين إلا إذا تغيّر‏.‏

قال حرب‏:‏ سألت أحمد قلت‏:‏ كلب ولغ في سمنٍ أو زيتٍ ‏؟‏ قال‏:‏ إذا كان في آنيةٍ كبيرةٍ مثل حبٍّ أو نحوه رجوت أن لا يكون به بأس ويؤكل‏,‏ لأنّه كثير فلم ينجس بالنّجاسة من غير تغيرٍ كالماء‏,‏ وإن كان في آنيّةٍ صغيرةٍ فلا يعجبني ذلك‏.‏

وهناك رأي آخر للحنابلة وهو‏:‏ ما أصله الماء - من المائعات - كالخلّ التّمريّ يدفع النّجاسة لأنّ الغالب فيه الماء‏,‏ وما لا يكون أصله الماء فلا يدفع النّجاسة‏.‏

تطهير المائع المتنجّس

4 - اختلف الفقهاء في إمكانيّة تطهير المائعات المتنجّسة أو عدم إمكان ذلك‏:‏

فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لو تنجّس مائع غير الماء كاللّبن والخلّ ونحوهما تعذّر تطهيره‏,‏ إذ لا يأتي الماء على كلّه‏,‏ لأنّه بطبعه يمنع إصابة الماء ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم عندما سئل في فأرةٍ وقعت في سمنٍ‏:‏ «إن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه» وفي روايةٍ‏:‏ «فأريقوه»‏,‏ فلو أمكن تطهيره شرعاً‏,‏ أو كان إلى تطهيره طريق لم يأمر بالابتعاد عنه‏,‏ أو بإراقته‏,‏ بل أمر بغسله وبيّن لهم طريقة تطهيره‏,‏ لما في ذلك من إضاعة المال‏.‏

وعليه فإذا تنجّس لبن أو مرق أو زيت أو سمن مائع أو دهن من سائر الأدهان أو غير ذلك من المائعات فلا طريق لتطهيرها للحديث المتقدّم‏,‏ ولأنّه لا يمكن غسله‏.‏

واستثنى بعض الشّافعيّة والحنابلة من هذا الزّئبق‏,‏ فإنّ المتنجّس منه إن أصابته نجاسة ولم ينقطع بعد إصابتها طهّر بصبّ الماء عليه‏,‏ وإن انقطع فهو كالدهن ولا يمكن تطهيره على الأصحّ‏.‏

وقال ابن عقيلٍ من الحنابلة‏:‏ الزّئبق لقوّته وتماسكه يجري مجرى الجامد‏.‏

كما استثني في قولٍ عند كلٍّ من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة الزّيت والسّمن وسائر الأدهان وقالوا‏:‏ إنّها تطهر بالغسل قياساً على الثّوب‏,‏ قالوا‏:‏ وطريق تطهيرها أن نجعل الدهن في إناءٍ ويصب عليه الماء ويكاثر به ويحرّك بخشبة ونحوها تحريكاً يغلب على الظّنّ أنّه وصل إلى جميع أجزائه‏,‏ ثمّ يترك حتّى يعلو الدهن على الماء فيأخذه‏,‏ أو يفتح أسفل الإناء فيخرج الماء ويطهر الدهن ويسد الفتحة بيده أو بغيرها‏,‏ وذكر ابن عرفة - من المالكيّة - في كيفيّة التّطهير أنّه يطبخ - الزّيت المخلوط بالنّجس - بالماء مرّتين أو ثلاثاً‏,‏ قال الحطّاب بعد ذكر هذا القول‏:‏ وقال في التّوضيح كيفيّته - أي التّطهير - على القول به أن يؤخذ إناء فيوضع فيه شيء من الزّيت ويوضع عليه ماء أكثر منه‏,‏ وينقب الإناء من أسفله ويسده بيده أو بغيرها ثمّ يمخّض الإناء، ثمّ يفتح الإناء فينزل الماء‏,‏ ويبقى الزّيت يفعل ذلك مرّةً بعد مرّةٍ حتّى ينزل الماء صافياً‏,‏ قال المالكيّة والشّافعيّة‏:‏ محل الخلاف إذا كانت النّجاسة الّتي أصابت المائع الدهنيّ غير دهنيّةٍ كالبول مثلاً أما إذا كانت دهنيّةً كودك الميتة فلا تقبل التّطهر بلا خلافٍ لممازجتها له‏.‏

والفتوى عند الحنفيّة على أنّه يطهر لبن وعسل ودبس ودهن يغلى ثلالاً‏,‏ وقال في الدرر‏:‏ ولو تنجّس العسل فتطهيره أن يصبّ فيه ماء بقدره فيغلى حتّى يعود إلى مكانه والدهن يصب عليه الماء فيغلي فيعلو الدهن الماء فيرفع بشيء هكذا ثلاث مرّاتٍ‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏نجاسة‏)‏‏.‏

ج - الانتفاع بالمائعات النّجسة‏:‏

5 - ذهب الحنفيّة‏,‏ والمالكيّة‏,‏ والحنابلة إلى أنّه لا يجوز الانتفاع بودك الميتة أو شحمها في طلي السفن ونحوها‏,‏ أو الاستصباح بها أو لأيّ وجهٍ آخر من وجوه الاستعمال ما عدا جلدها إذا دبغ‏,‏ لعموم النّهي عن ذلك في حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما أنّه سمع رسول اللّه يقول عام الفتح وهو بمكّة‏:‏ «إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل‏:‏ يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة فإنّه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها النّاس ‏؟‏ فقال‏:‏ لا هو حرام، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏:‏ قاتل اللّه اليهود إنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا حرّم عليهم شحومها أجملوه ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه» إلا أنّ ابن قدامة قال‏:‏ ولبن الميتة وإنفَحتها روي أنّها طاهرة وهو قول أبي حنيفة لأنّ الصّحابة رضي الله عنهم‏:‏ أكلوا الجبن لمّا دخلوا المدائن وهو يعمل بالإنفَحة وهي تؤخذ من صغار المعز فهو بمنزلة اللّبن وذبائحهم ميّتة‏.‏ وذهب أحمد بن حنبلٍ‏,‏ وأحمد بن صالحٍ وابن الماجشون من المالكيّة‏,‏ وابن المنذر وهو مقابل المشهور عند الشّافعيّة إلى أنّه لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كلّه في شيءٍ من الأشياء للحديث المتقدّم‏,‏ ولما على الإنسان من التّعبد في اجتناب النّجاسة‏,‏ ولأجل دخان النّجاسة - بالنّسبة للاستصباح - فإنّه قد يصيب بدنه أو ثوبه عند القرب من السّراج، نقل عن ابن الماجشون من المالكيّة‏:‏ أنّه لا ينتفع بشيء من النّجاسات في وجهٍ من الوجوه‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ يحل مع الكراهة في غير المسجد الاستصباح بالدهن النّجس عينه كودك ميتةٍ‏,‏ أو بعارض كزيت ونحوه وقعت فيه نجاسة على المشهور في المذهب‏,‏ لأنّه صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرةٍ وقعت في سمنٍ ‏؟‏ فقال‏:‏ «إن كان جامداً فألقوها وما حولها‏,‏ وإن كان مائعاً فاستصبحوا به أو فانتفعوا به»‏,‏ وعلى هذا يعفى عمّا يصيب الإنسان من دخان المصباح لقلّته‏.‏

ومقابل المشهور‏:‏ أنّه لا يجوز لأجل دخان النّجاسة فإنّه قد يصيب بدنه أو ثوبه عند القرب من السّراج‏.‏

أمّا في المسجد فلا يجوز لما فيه من تنجيسه كما جزم ابن المقري تبعاً للأذرعيّ والزّركشيّ‏,‏ وإن كان ميل الإسنويّ إلى الجواز‏.‏

ويستثنى أيضاً ودك نحو الكلب كما قاله في البيان ونقله الغزّيّ عن الإمام‏.‏

قال الغزّيّ‏:‏ ويجوز أن يجعل الزّيت المتنجّس صابوناً أيضاً للاستعمال أي لا للبيع‏.‏

قال في المجموع‏:‏ ويجوز طلي السفن بشحم الميتة وإطعامها للكلاب والطيور وإطعام الطّعام المتنجّس للدّوابّ‏.‏

وفرّق المالكيّة بين نجس العين كالبول وبين المتنجّس فقالوا‏:‏ بجواز الانتفاع بالمتنجّس لغير المسجد والبدن قال خليل‏:‏ وينتفع بمتنجّس لا نجسٍ في غير مسجدٍ وآدميٍّ، قال الحطّاب في شرحه‏:‏ مراده بالمتنجّس ما كان طاهراً في الأصل وأصابته نجاسة كالزّيت والسّمن تقع فيه فأرة أو نجاسة‏,‏ وبالنّجس ما كانت عينه نجسةً كالبول والعذرة والميتة والدّم‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏نجاسة‏)‏‏.‏

مارِن

التّعريف

1 - من معاني المارن في اللغة‏:‏ الأنف‏,‏ أو‏:‏ طرفه‏,‏ أو‏:‏ ما لان من الأنف‏,‏ وقيل‏:‏ ما لان من الأنف منحدراً عن العظم وفضل عن القصبة‏.‏

والمارن في اصطلاح الفقهاء‏:‏ طرف الأنف أو ما لان منه‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الأنف‏:‏

2 - الأنف هو عضو التّنفس والشّمّ‏,‏ وهو اسم لمجموع المنخرين والحاجز‏,‏ والجمع أنوف وآناف وآنُف‏.‏

فالأنف أعم من المارن اصطلاحاً‏.‏

ب - الوترة‏:‏

3 - الوترة والوتيرة في الأنف صلة ما بين المنخرين‏,‏ وقيل‏:‏ الوتيرة من الأنف الحاجز بين المنخرين من مقدّم الأنف دون الغضروف‏.‏

قال العدويّ‏:‏ هي الحاجز بين طاقتي الأنف‏,‏ وقال الحطّاب‏:‏ الوَتَرة بفتح الواو والتّاء المثنّاة الفوقيّة هي الحاجز بين ثقبي الأنف‏.‏

والوترة والمارن جزء من الأنف‏.‏

الأحكام المتعقّلة بالمارن

غسل المارن في الوضوء

4 - اتّفق الفقهاء على أنّ غسل ظاهر المارن واجب في الوضوء والطّهارة بصفّة عامّةٍ‏,‏ لأنّه من الوجه الّذي فرض غسله في الوضوء بقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ‏}‏‏,‏ قال الفقهاء والوجه ما تقع به المواجهة ومنه ظاهر المارن‏.‏

وأمّا غسل المارن من داخل الأنف فقد اختلف الفقهاء في حكمه‏:‏

فذهب الحنفيّة إلى أنّ إيصال الماء إلى المارن في الوضوء سنّة‏,‏ وأمّا في الغسل فهو فرض عندهم‏.‏

ويرى المالكيّة أنّ إيصال الماء إلى المارن داخل الأنف سنّة في الوضوء والغسل‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ لا يجب في الوضوء غسل داخل الأنف قطعاً‏,‏ ولكن يجب غسل ذلك إن تنجّس‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ يجب الاستنشاق في الوضوء والغسل‏,‏ وهو اجتذاب الماء بالنّفس إلى باطن الأنف‏,‏ ولا يجب إيصال الماء إلى جميع باطن الأنف‏,‏ وإنّما ذلك مبالغة مستحبّة في حقّ غير الصّائم‏.‏

دية المارن

5 - اتّفق الفقهاء على أنّ المارن إذا قطع من الأنف في غير عمدٍ ففيه دية كاملة لخبر عمرو بن حزمٍ‏:‏ «في الأنف إذا أوعب جدعه الدّية»‏,‏ ولأنّ فيه جمالاً ومنفعةً زالتا بالقطع فوجبت الدّية الكاملة‏.‏

وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏ديات ف 35‏)‏‏.‏

القصاص في المارن

6 - الجناية على المارن عمداً موجبة للقصاص عند الأئمّة الأربعة‏,‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالأَنفَ بِالأَنفِ‏}‏‏.‏

ولأنّ استيفاء المثل فيه ممكن لأنّ له حداً معلوماً وهو ما لان منه‏.‏

وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏جناية على ما دون النّفس ف 20‏)‏‏.‏

هل انفراق أرنبة المارن من علامات البلوغ ‏؟‏

7 - ذكر المالكيّة أنّ من علامات البلوغ في الذّكر والأنثى فرق أرنبة المارن‏.‏

وصرّح الشّافعيّة بأنّ انفراق الأرنبة ليس من علامات البلوغ‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏بلوغ ف 16‏)‏‏.‏

ماشية

انظر‏:‏ أنعام

ماعز

انظر‏:‏ أنعام‏.‏

مال

التّعريف

1 - يطلق المال في اللغة‏:‏ على كلّ ما تملّكه الإنسان من الأشياء‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ اختلف الفقهاء في تعريف المال وذلك على النّحو التّالي‏:‏

عرّف فقهاء الحنفيّة المال بتعريفات عديدةٍ‏,‏ فقال ابن عابدين‏:‏ المراد بالمال ما يميل إليه الطّبع‏,‏ ويمكن ادّخاره لوقت الحاجة‏.‏

والماليّة تثبت بتمول النّاس كافّةً أو بعضهم‏.‏

وعرّف المالكيّة المال بتعريفات مختلفةٍ‏,‏ فقال الشّاطبيّ‏:‏ هو ما يقع عليه الملك‏,‏ ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه‏.‏

وقال ابن العربيّ‏:‏ هو ما تمتد إليه الأطماع‏,‏ ويصلح عادةً وشرعاً للانتفاع به‏.‏

وقال عبد الوهّاب البغدادي‏:‏ هو ما يتموّل في العادة ويجوز أخذ العوض عنه‏.‏

وعرّف الزّركشي من الشّافعيّة المال بأنّه ما كان منتفعاً به‏,‏ أي مستعداً لأن ينتفع به‏.‏ وحكى السيوطيّ عن الشّافعيّ أنّه قال‏:‏ لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها‏,‏ وتلزم متلفه‏,‏ وإن قلت‏,‏ وما لا يطرحه النّاس مثل الفلس وما أشبه ذلك‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ المال شرعاً ما يباح نفعه مطلقاً‏,‏ أي في كلّ الأحوال‏,‏ أو يباح اقتناؤه بلا حاجةٍ‏.‏

ما اختلف في ماليّته

اختلف الفقهاء في ماليّة المنافع كما تباينت أنظارهم حول ماليّة الديون‏,‏ وبيان ذلك فيما يلي‏:‏

أ - ماليّة المنافع‏:‏

2 - المنافع‏:‏ جمع منفعةٍ‏.‏ ومن أمثلتها عند الفقهاء‏:‏ سكنى الدّار ولبس الثّوب وركوب الدّابّة‏.‏

وقد اختلف الفقهاء في ماليّتها على قولين‏:‏

أحدهما للحنفيّة‏:‏ وهو أنّ المنافع ليست أموالاً متقوّمةً في حدّ ذاتها‏,‏ لأنّ صفة الماليّة للشّيء إنّما تثبت بالتّمول‏,‏ والتّمول يعني صيانة الشّيء وادّخاره لوقت الحاجة‏,‏ والمنافع لا تبقى زمانين‏,‏ لكونها أعراضاً‏,‏ فكلّما تخرج من حيّز العدم إلى حيّز الوجود تتلاشى‏,‏ فلا يتصوّر فيها التّمول‏.‏

غير أنّ الحنفيّة يعتبرون المنافع أموالاً متقوّمةً إذا ورد عليها عقد معاوضةٍ‏,‏ كما في الإجارة‏,‏ وذلك على خلاف القياس‏,‏ وما كان على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس‏.‏ والثّاني لجمهور الفقهاء من الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة‏:‏ وهو أنّ المنافع أموال بذاتها‏,‏ لأنّ الأعيان لا تقصد لذاتها‏,‏ بل لمنافعها‏,‏ وعلى ذلك أعراف النّاس ومعاملاتهم‏.‏

ولأنّ الشّرع قد حكم بكون المنفعة مالاً عندما جعلها مقابلةً بالمال في عقد الإجارة‏,‏ وهو من عقود المعاوضات الماليّة‏,‏ وكذا عندما أجاز جعلها مهراً في عقد النّكاح‏,‏ ولأنّ في عدم اعتبارها أموالاً تضييعاً لحقوق النّاس وإغراءً للظّلمة في الاعتداء على منافع الأعيان الّتي يملكها غيرهم‏,‏ وفي ذلك من الفساد والجور ما يناقض مقاصد الشّريعة وعدالتها‏.‏

وقال الشّربيني الخطيب‏:‏ المنافع ليست أموالاً على الحقيقة بل على ضربٍ من التّوسع والمجاز بدليل أنّها معدومة لا قدرة عليها‏.‏

ب - ماليّة الديون

3 - الدّين في الاصطلاح الفقهيّ هو لزوم حقٍّ في الذّمّة‏.‏

وقد يكون محله مالاً كما أنّه قد يكون عملاً أو عبادةً كصوم وصلاةٍ وحجٍّ وغير ذلك‏.‏

‏(‏ر‏:‏ دين ف 37‏,‏ دين اللّه ف 3‏)‏‏.‏

ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحقّ الواجب في الذّمّة إذا لم يكن مالياً‏,‏ فإنّه لا يعتبر مالاً‏,‏ ولا يترتّب عليه شيء من أحكامه‏.‏

أمّا إذا كان الدّين الشّاغل للذّمّة مالياً‏,‏ فقد اختلف الفقهاء في اعتباره مالاً حقيقةً‏,‏ وذلك على قولين‏:‏

أحدهما للحنفيّة‏:‏ وهو أنّ الدّين في الذّمّة ليس مالاً حقيقياً‏,‏ إذ هو عبارة عن وصفٍ شاغلٍ للذّمّة‏,‏ ولا يتصوّر قبضه حقيقةً‏,‏ ولكن نظراً لصيرورته مالاً في المآل سمّي مالاً مجازاً‏.‏ والثّاني قال الزّركشي من الشّافعيّة‏:‏ الدّين‏:‏ هل هو مال في الحقيقة أو هو حق مطالبةٍ يصير مالاً في المآل ‏؟‏‏.‏

فيه طريقان حكاهما المتولّي‏,‏ ووجه الأوّل‏:‏ أنّه يثبت به حكم اليسار حتّى تلزمه نفقة الموسرين وكفّارتهم ولا تحل له الصّدقة‏.‏

ووجه الثّاني‏:‏ أنّ الماليّة من صفات الموجود‏,‏ وليس ههنا شيء موجود‏,‏ قال‏:‏ وإنّما استنبط هذا من قول الشّافعيّ‏:‏ فمن ملك ديوناً على النّاس‏,‏ هل تلزمه الزّكاة ‏؟‏ المذهب الوجوب‏,‏ وفي القديم قول أنّها لا تجب ويتفرّع عليه فروع‏:‏

منها‏:‏ هل يجوز بيع الدّين من غير من عليه الدّين ‏؟‏ إن قلنا‏:‏ إنّه مال جاز، أو حق فلا‏,‏ لأنّ الحقوق لا تقبل النّقل إلى الغير‏.‏

ومنها‏:‏ أنّ الإبراء عن الدّين إسقاط أو تمليك ‏؟‏

ومنها‏:‏ حلف لا مال له‏,‏ وله دين حال على مليءٍ‏,‏ حنث على المذهب‏,‏ وكذا المؤجّل‏,‏ أو على المعسر في الأصحّ‏.‏